حيدر حب الله
46
مسألة المنهج في الفكر الديني
حمراء تعبّر عن نفسها - معرفياً - بالقاطعية والبداهة والوضوح واليقينية المفرطة و . . لقد أخرج هذا الوضع مجموعة كبيرة من المسائل والقضايا عن حيّز الجدل والحوار والتفاوض ، وأقصاها عن أي مسؤولية علمية لخطىءٍ ما أو اشتباهٍ ما ، فالخطأ والاشتباه ، مهما قبلناه ، فإنه لا يمكننا قبوله على مستوى تلك المسلمات واليقينيات . ولعلّ السبب في تشكّل هذا الجو هو اعتماد الفكر على المنطق الجدلي المتقدّم ذكره ، فقد أدّى هذا المنطق إلى شيوع ثقافة الجدل واعتمادها المنفذ الأساس لتنامي المعرفة ، وهو منطق يفترض سلفاً وجود مسلمات غير متجادل عليها ، وبالتالي فإذا ما حاول أحد الأطراف نقد هذه المسلّمة اللامفكّر فيها فإنه سرعان ما سيكون خارجاً عن قواعد اللعبة ؛ لأن المفروض قيامها على الاعتراف بتلك القطعيات ، من هنا اصطبغ الحوار الفكري داخل دائرة كل اتجاه بطابع التسليم أمام قطعيات ذلك المذهب الفكري ، وبالتالي لم يعد ممكناً - من الداخل - نقد أو إعادة النظر بتلك القطعيات ؛ لأن ذلك سوف يحوّل المعركة من معركةٍ داخل البيت الواحد إلى معركة بين هذا البيت والبيت الآخر ، مما سيفرض عنوان الخروج عن الذات على ذاك الذي حاول التساؤل عن تلك القطعيات التي أصبحت أشبه بمواضعاتٍ شاملة ومتحكّمة ، وأما على المستوى الديني فسوف تطفو على السطح مقولات الارتداد والتكفير وغيرها . . إن المشكلة الأولى التي تفرزها هذه الوضعية هي سدّ الباب أمام أي عملية إعادة نظر أو تصحيح أو نقد داخلي بنّاء ؛ لأن المجال المفسوح للمتحاورين هو مجالٌ لا إمكانية فيه لمثل ذلك بشكل جيدٍ ، أمّا لو خفّضنا من معدّل هذه الخطوط والمحرّمات المعرفية أو ما يسمّى عند البعض : المحرم الفكري أو اللامفكّر فيه ، فإن أطراف الحوار سوف يكونون أكثر قدرةً على إبداء افتراضاتٍ أكثر لتفسير أو تحليل أو نقد أو تأييد المسألة مادّة البحث ؛ لأن تنحية خطٍّ أحمر يولّد بطبعه مجالًا أكبر وفسحةً أوسع للتفسير من خلال